«إن أكثر القرارات أهمية وخطورة - من وجهة نظري - والتي
يجب أن تصدر عن اجتماعات مجلس الوزراء، هي الموافقة علي
قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار».
د. أحمد جويلي وزير التموين السابق
- مجلة المصور - فبراير 1996
عنوان هذا المقال ليس من صنع الكاتب أو الجريدة، ولكنه -
بما فيه من علامتي الاستفهام والتعجب - عنوان ما نشر
بجريدة الأهرام في 4/9/2005 من تصريحات للدكتور هاني سري
الدين رئيس هيئة سوق المال، تلك التصريحات التي يؤكد فيها
سيادته أنه «وفقا لصريح نص المادة 4 من قانون حماية
المنافسة، لا يمنع القانون السيطرة وإنما ينظم نشاط الشركة
المحتكرة».
و«سيناريو» الدراما المأساوية للاحتكار ومنع الاحتكار، هو
نموذج مثالي للسياسات التي يفرضها الحزب الحاكم علي مصر في
العقود الثلاثة الأخيرة.
أولا: الظاهرة الاحتكارية ومشروع د. جويلي من خلال ممارسة
د. أحمد جويلي لمسئوليته كوزير للتموين، أدرك - بشكل عملي
- لتنامي ظاهرة الممارسات الاحتكارية التي طالت العديد من
السلع الرئيسية - وخاصة الغذائية - ومدي معاناة جماهير
المستهلكين من ذلك الوضع.
فكان تقدمه بمشروع جيد في هذا الشأن، قام علي ثلاثة محاور:
تجريم جميع صور الاحتكار ووسائله المختلفة.
قيام جهاز رقابة حاسم له صلاحيات التفتيش والضبط القضائي.
تحديد العقوبات الملائمة لكل حالة «الحبس - الغرامة -
المصادرة - الشطب من سجلات التجار أو المستوردين».
وكم كان الدكتور جويلي متفائلا وبعيدا عن قواعد اللعبة في
هذا الزمن السعيد، فهو لم يكتف بذلك، بل صرح في مارس 1996،
أنه سيضيف للمشروع - قبل عرضه وإقراره في مجلس الشعب -
مادة جديدة تقرر «مبدأ حق المواطنين في التعويض عن عدم
توافر الخدمات التي من المفروض أن تقدمها لهم الوزارات
والجهات الرسمية المختصة».
ولكن السلطة التنفيذية والسياسية في الحزب الحاكم، كان لها
رأي آخر..
فلقد تم «التحفظ علي المشروع في «درج» أمين.
وتم «الإفراج» عن د. جويلي من المسئولية الوزارية ليتولاها
بدلا منه د. حسن خضر المدرك جيدا لقواعد وأصول اللعبة بحكم
كونه - آنذاك - رئيسا لبنك التنمية.
وتم - ثالثا وتحت شعارات «الحرية الاقتصادية واللحاق بركب
العولمة» - تقديم كل صور الدعم والحماية للظاهرة
الاحتكارية، علي الرغم من تناقض ذلك مع ما يدعونه من العمل
علي «رسملة» الاقتصاد والمجتمع.
ثانيا: تنامي الاحتكار بالعمق والاتساع
كان من الطبيعي وفق تلك السياسات أن تزداد شراهة وشراسة
الاحتكار، لتشمل - وبتوحش - غالبية السلع والمنتجات،
وكمجرد أمثلة علي ذلك:
احتكار شركة خاصة واحدة لأكثر من 25% من محصول القطن (موسم
94، 1995) وفرض إرادتها علي الشركات العامة للغزل والنسيج،
كبداية لتدهور هذه الصناعة المصرية التاريخية.
التحكم الاحتكاري في السكر، للدرجة التي مكنت المحتكرين -
علي الرغم من أن الإنتاج المحلي منه يقترب من 75% من
معدلات الاستهلاك - إلي استيراد كميات كبيرة منه بما أدي
في موسم 1999 إلي تراكم المخزون منه لدي الشركة العامة
للسكر وأن تسحب علي المكشوف ما قيمته مليار جنيه من البنوك
لتتمكن من الاستمرار.
الهيمنة علي محصول الأرز - علي الرغم من أن إنتاجه السنوي
المحلي يصل إلي 5.4 مليون طن وأن إنتاجيته في مصر من أعلي
المعدلات العالمية - والتحكم في اختفائه وظهوره وبالأسعار
التي يقررها المحتكرون، مستندين إلي القانون 382 لسنة
1992، الذي يتيح لهم التعامل في أكثر من 70% من ناتجه
المحلي.
التلاعب بمصالح الزراعة والفلاحين - من خلال الهيمنة علي
سوق السماد - الذي وصل إلي درجة قيام المحتكرين في موسم
1995، بتصدير مليون طن منه، ثم القيام - في نفس الموسم -
باستيراد مليون طن أخري، للتربح المهول في كلا الحالتين.
إهدار صحة المواطنين، لحساب محتكري استيراد اللحوم
الحمراء، وقدرتهم علي إدخال 274 ألف طن - في التسعينيات -
إلي بطون المصريين، علي الرغم من تحذيرات وزارتي الصحة
والتموين آنذاك من أن هذه الكميات غير صالحة للاستهلاك
الآدمي.
وتتسع قائمة السلع الرئيسية التي أصبحت - في العقدين
الأخيرين - تحت قبضة مافيا الاحتكار، ولا يتسع المجال لعرض
ما أدي إليه ذلك من إهدار للناتج المحلي الزراعي والصناعي
من ناحية، ومن زيادة معاناة الجماهير من ناحية أخري..
الحديد، الأسمنت، الأسماك، الألبان ومنتجاتها، الجلود،
الذرة الصفراء، الورق، السلع الكهربائية والمنزلية.. إلي
آخر ذلك من عشرات السلع، التي يمارس الاحتكار بالنسبة لها
أقصي صور التحكم وأكثرها إهدارا لمصالح المنتجين
والمستهلكين في آن واحد.
ثالثا: المشروعات الوهمية والاستهانة بعقل الشعب
لا تكتفي حكومات الحزب الوطني بالاستهانة بمصالح الشعب، بل
تحاول - أيضا - أن تتذاكي وتستهين بعقل المواطن.
فمنذ وأد مشروع د. جويلي لمنع الاحتكار - وفي أقل من عشر
سنوات - ومع ارتفاع موجات الغضب ضد الممارسات المدمرة
للقوي الاحتكارية، أعلنت الحكومات المتعاقبة عن نيتها
لإصدار قانون لمنع الاحتكار، وبلغ عدد مشروعاتها في هذا
الشأن 11 مشروعا، يتم تهليل الصحف القومية لها، وتعقد
جلسات الحوار حول كل منها.. ثم.. لا تقدم لمجلس الشعب،
فجلائل الأمور التي يناقشها المجلس الموقر لم تتسع لعرض
ومناقشة أي منها.
.. ثم عرض وتم موافقة السادة نواب الحزب الحاكم.. وصدر
القانون رقم 3 لسنة 2005 بشأن حماية المنافسة ومنع
الممارسات الاحتكارية.
وبالإضافة إلي ما كتبناه في حينه - وكتبه العديدون من
الحريصين فعلا علي منع الاحتكار - بخصوص الصياغات المراوغة
والثغرات الواسعة التي تمكن المحتكرين - وتحت عباءة هذا
القانون - من تواصل ممارساتهم بل وتوسيعهاوتعميقها أيضا،
فإننا نعتبر أن ما تفضل به السيد رئيس هيئة سوق المال من
تقديم رؤيته الصريحة والمحددة لهذا القانون، بأنه «لا يمنع
الاحتكار ولكنه يقوم بتنظيمه»، هو القول الفصل الموجز
لتقديم ذلك القانون ومفهوم الحكومة لعملية «منع الاحتكار».
هل مقاومة الاحتكار.. قيمة رئيسية للاقتصاد الرأسمالي؟..
نعم.
هل تستطيع الحكومة - من خلال حرصها علي توجهاتها
الرأسمالية كما تزعم - أن تطيح بالاحتكار وتقص مخالبه؟..
نعم.
هل تريد الحكومة، وحزبها الحاكم - حقيقة - ذلك؟.. باليقين
لا.